
يأتي كتاب «جوهرة سماء مراكش» ليسلط الضوء على أحد أعرق مظاهر التراث الشعبي بالمدينة الحمراء،ويتعلق الأمر بـحمام لفعل، هذه السلالة المحلية التي يعتز المراكشيون بتربيتها والعناية بها، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من هويتهم الثقافية وذاكرتهم الجماعية.
فالكتاب لا يكتفي بالتعريف بهذه السلالة، بل يقدّم توثيقاً دقيقاً لفرجتها وقيمها الجمالية والسلوكية التي تميزها عن باقي أنواع الحمام الطيار.
وفي هذا السياق، يبرز المؤلف أن فرجة حمام لفعل تبدأ من محل سكن الكساب (صاحب الحمام)، مروراً بمرحلة الإطلاق أو “السباق”، حيث تظهر الخصائص الفريدة لهذا الحمام، سواء من حيث الذكاء أو التحكم في الطيران.
ويُعدّ حفظ الوكر وسرعة الرجوع من أبرز علامات الذكاء التي تجعل حمام لفعل متفوقاً على سلالات أخرى معروفة، مثل الباكستاني أو التبلور أو النيكو.
ومن جهة أخرى، يتوقف الكتاب عند مفهوم العلو الشاهق، الذي يقسمه المراكشيون إلى أربع درجات متعارف عليها شعبياً: العلو القليل، ثم “التواسط” كعلو متوسط، يليه “التناقط” حيث يصبح الحمام نقطة في السماء، وصولاً إلى “الغبور” الذي يعني اختفاءه عن العين المجردة، بينما يشكل “التمام” قمة الأداء، إذ يحافظ الحمام على نفس ضربات الجناح بثبات من لحظة الانطلاق إلى غاية الغبور.
وفي السياق ذاته، يشرح الكتاب خاصية الطيران فوق الرأس، أي بقاء الحمام فوق مركز الانطلاق دون الابتعاد عن دائرته، مع الحفاظ على الارتفاع، إضافة إلى مفهوم المخاوية، وهي فرجة زوجين من حمام لفعل يطيران معاً دون انفصال طيلة العرض، الذي لا يجب أن يتجاوز خمس دقائق في الحمام الممتاز، ما يعكس درجة عالية من الانسجام والدقة.
كما يتناول الكتاب التمييز بين حمام السرعة وحمام الجمالية، مؤكداً أن الحمام الممتاز هو الذي يجمع بين الاثنين معاً. ومن هنا، ظهرت سلالات مراكشية عريقة، أبرزها سلالة الموقف وسلالة بن سليمان، إلى جانب سلالات أخرى حملت أسماء كسابة بارزين، من بينهم المرحوم عبد الرحيم البيضة، والمرحوم الزهني، والغزواني، وغيرهم من المعلمين والشباب الذين لا يزالون يواصلون تطوير هذه الهواية من خلال سباقات الجمعيات المراكشية.
وبذلك، يشكل كتاب «جوهرة سماء مراكش» إضافة نوعية للمكتبة التراثية، ومحاولة جادة لتوثيق فن شعبي مهدد بالاندثار، عبر نقل خبراته ومفاهيمه من الذاكرة الشفوية إلى فضاء الكتابة والتوثيق.






