
تشهد الساحة الموريتانية تحولات دقيقة تكشف عن تنافس إقليمي متصاعد بين المغرب والجزائر، لا يقتصر على الاقتصاد بل يمتد إلى معركة أكثر عمقًا تتعلق بإعادة رسم موازين النفوذ غرب إفريقيا. وفي قلب هذا الصراع، تبرز سوق الوقود بوصفها واجهة استراتيجية لكسب الحضور والتأثير في نواكشوط.
في هذا السياق، كشفت مجلة جون أفريك عن تصاعد حدة التنافس بين البلدين، حيث تسعى كل من الرباط والجزائر لتأمين موطئ قدم في قطاع الوقود الحيوي بموريتانيا، الذي أصبح مسرحًا لتقاطع الاستثمارات والسياسات الخارجية.
وقد خطت الجزائر خطوة لافتة في هذا المسار، عبر توقيع اتفاق بين شركة “سوناطراك” العملاقة والشركة الموريتانية للمحروقات، يقضي بإنشاء كيان مشترك لتوزيع المنتجات المكررة من الوقود. غير أن هذه الخطوة، وإن كانت تحمل دلالة سياسية واقتصادية، لا تزال تصطدم بتحديات حقيقية، أبرزها مدى قابلية السوق الموريتانية لتقبّل فاعل خارجي جديد.
وفي المقابل، يبدو أن المغرب قد كسب الأفضلية على الأرض، فقد تمكنت شركة “أكوا أفريكا”، التابعة لمجموعة “أكوا” المغربية، من ترسيخ حضور فعّال ومستدام داخل موريتانيا خلال السنوات الأخيرة، بفضل بنية تحتية لوجستية متطورة، وشبكة توزيع واسعة، وخدمات تراعي خصوصيات السوق المحلية، لا سيما في نواكشوط ونواذيبو.
لكن الأهم من ذلك هو الثقة، إذ ينظر العديد من الموريتانيين إلى الفاعل المغربي بوصفه شريكًا موثوقًا ومجربًا، خاصة أن حضوره لا يقتصر على البعد التجاري، بل يشمل مشاريع تنموية واجتماعية، تُعزّز من صورته وتُعمّق من ارتباطه بالمجتمع المحلي.
ومع أن الجزائر تمتلك أدوات ضغط قوية، بما فيها النفوذ السياسي في الاتحاد الإفريقي والقدرة التمويلية لشركاتها، إلا أن التغلغل في السوق الموريتانية يتطلب أكثر من مجرد اتفاقيات. فالثقة وبناء علاقات طويلة الأمد يبدوان اليوم العنصر الحاسم في هذا السباق.
وفي ظل هذا الواقع، تتحول موريتانيا تدريجيًا إلى ساحة اختبار جديد بين الرباط والجزائر، في إطار معركة صامتة تدور رحاها على جبهات الاقتصاد، لكنها محملة برسائل سياسية عميقة حول من يملك زمام المبادرة في الساحل وغرب إفريقيا.
فالوقود لم يعد مجرد مورد، بل أضحى أداة استراتيجية لإعادة ترتيب علاقات القوة في منطقة تبحث عن استقرار سياسي وتنمية اقتصادية في آن معًا.


