مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، بدأت ملامح السباق الانتخابي بدائرة أوسرد تخرج تدريجياً من دائرة التكهنات إلى مرحلة جس نبض الشارع، في ظل منافسة مرتقبة بين أسماء تراهن على رصيدها الشخصي، وحضورها الميداني، وامتدادها داخل مختلف جماعات الإقليم.
وفي محاولة لاستقراء المزاج الانتخابي المحلي، أجرت “أخبار الداخلة” قراءة ميدانية أولية داخل جماعة بئر كندوز، إحدى الجماعات التابعة لإقليم أوسرد، للوقوف على اتجاهات النقاش بين المواطنين والمتابعين للشأن المحلي، بعيداً عن الحسابات الحزبية المجردة.
وتكشف المؤشرات الأولية التي تم رصدها أن الاعتبارات الشخصية والعلاقات المباشرة مع الساكنة لا تزال تحتل موقعاً مهماً في تحديد الاختيارات الانتخابية، إلى جانب الانتماء الحزبي والقدرة التنظيمية لكل مرشح.
وفي هذا السياق، يظهر حزب التجمع الوطني للأحرار في موقع متقدم ضمن هذا “السونداج”، مستفيداً بالأساس من الرصيد الذي تركه الرئيس السابق لجماعة بئر كندوز، داهي حرمة الله، خلال فترة توليه رئاسة الجماعة.
ورغم أن رئاسة الجماعة آلت بعد انتخابات 2021 إلى لفقير الخطاط عن حزب الاستقلال، الذي تمكن حزبه من حصد أغلب مقاعد المجلس الجماعي، مقابل مقعد واحد فقط للحزب المنافس من أصل 16 مقعداً، فإن جزءاً من الساكنة لا يزال يستحضر تجربة داهي حرمة الله، خصوصاً من زاوية قربه من المواطنين وحضوره المباشر خلال فترة تدبيره للجماعة.
ويبدو أن هذا الرصيد الشخصي يشكل، وفق القراءة الحالية، إحدى أبرز الأوراق التي يمكن أن يستفيد منها التجمع الوطني للأحرار في بئر كندوز، غير أن تحويل التعاطف أو الرصيد الشخصي إلى أصوات فعلية يظل رهيناً بقدرة الحزب ومرشحه على الحفاظ على الحضور الميداني وتوسيع دائرة الدعم خلال الفترة المقبلة.
وفي المرتبة الثانية، يبرز اسم محمد بوبكر، الذي يخوض الاستحقاق الحالي تحت راية حزب الاستقلال، بعدما سبق له أن ارتبط حزبياً بحزب «الكتاب».
ورغم أن الحزب الذي كان يمثله سابقاً لم يتمكن من الحصول على أي مقعد داخل جماعة بئر كندوز خلال انتخابات 2021، فإن ذلك لم يمنع محمد بوبكر من بناء قاعدة انتخابية شخصية يعتبرها متابعون للشأن المحلي مهمة ولا يستهان بها.
وهنا تظهر إحدى مفارقات المشهد الانتخابي بأوسرد، إذ قد لا تكون قوة المرشح مرتبطة بشكل كامل بنتائج حزبه السابقة، بقدر ما ترتبط بشبكة العلاقات الشخصية والاجتماعية التي تمكن من بنائها خلال السنوات الماضية.
ومن هذه الزاوية، سيكون التحدي أمام محمد بوبكر هو تحويل هذا الرصيد الشخصي إلى أصوات فعلية لفائدة حزب الاستقلال، خصوصاً أن الانتخابات التشريعية تفرض على المرشح توسيع دائرة حضوره خارج نطاق القاعدة التي يعرفها محلياً.
أما المرتبة الثالثة في هذه القراءة الأولية، فتتجه نحو ناجم بكار، مرشح حزب الحركة الشعبية ورئيس جماعة تشلا، الذي يدخل المنافسة التشريعية بدائرة أوسرد بصفته وجهاً جديداً نسبياً في هذا السباق.
ويحمل بكار معه ورقة مهمة تتمثل في رئاسته لجماعة تشلة، وما يمكن أن توفره له من قاعدة انتخابية تشكل نقطة انطلاق في هذه المنافسة، غير أن وضعه داخل بئر كندوز يبدو أكثر تعقيداً من منافسيه، في ظل عدم توفر حزب الحركة الشعبية على أي مستشار جماعي داخل الجماعة.
لكن غياب التمثيلية الجماعية لا يعني بالضرورة غياب التأثير الانتخابي، خصوصاً في ظل طبيعة الانتخابات المحلية، حيث يمكن للعلاقات الشخصية والامتداد الاجتماعي أن يعوضا، في بعض الحالات، ضعف الحضور التنظيمي للحزب.
وبناءً على هذه القراءة، تبدو بئر كندوز أمام سباق انتخابي يمكن أن يتحول إلى واحدة من أهم محطات اختبار قوة المرشحين بدائرة أوسرد، فالتجمع الوطني للأحرار يدخل بأفضلية أولية مدعومة برصيد المرحلة السابقة، بينما يحاول محمد بوبكر استثمار قاعدة شخصية متراكمة، في حين يسعى ناجم بكار إلى اختراق المشهد من بوابة جماعة تشلا وتوسيع حضوره داخل باقي جماعات الإقليم.
لكن الأهم أن هذه المعطيات لا تعني بأي شكل من الأشكال أن نتائج الانتخابات قد حُسمت مسبقاً. فبئر كندوز ليست سوى جزء من دائرة أوسرد، كما أن موازين القوى قد تختلف بشكل واضح من جماعة إلى أخرى، فضلاً عن أن التحالفات والاصطفافات المحلية، وحركية المرشحين خلال الأسابيع المقبلة، يمكن أن تعيد ترتيب المشهد بالكامل.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه القراءة ليس فقط من يتقدم اليوم، وإنما من يستطيع الحفاظ على هذا التقدم وتحويله إلى أصوات يوم الاقتراع.
هل يستطيع التجمع الوطني للأحرار الحفاظ على موقعه المتقدم والاستفادة من رصيد داهي حرمة الله؟ وهل ينجح محمد بوبكر في تحويل قاعدته الشخصية إلى قوة انتخابية لحزب الاستقلال؟ وهل يتمكن ناجم بكار من تعويض ضعف الحضور التنظيمي للحركة الشعبية داخل بئر كندوز بقاعدة جماعة تشلا والامتداد الشخصي؟
الجواب سيظل مفتوحاً إلى حين اتضاح الصورة أكثر، لأن انتخابات أوسرد قد تكون، في نهاية المطاف، معركة أشخاص بقدر ما هي معركة أحزاب.
وتؤكد “أخبار الداخلة” أن هذا السونداج عبارة عن قراءة ميدانية أولية لجس نبض الساكنة داخل جماعة بئر كندوز، ولا يمثل استطلاعاً علمياً للرأي أو توقعاً نهائياً لنتائج الانتخابات، وإنما يعكس اتجاهات أولية قابلة للتغير مع تطور الحملة الانتخابية وظهور معطيات جديدة.


