على بعد أسابيع من الانتخابات التشريعية، تبدو مدينة الداخلة أمام لحظة سياسية فارقة. فهذه المدينة التي تحولت، خلال السنوات الأخيرة، إلى ورش مفتوح للاستثمارات الكبرى والمشاريع الاستراتيجية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار من نوع آخر؛ اختبار لا تقيسه قيمة الاستثمارات ولا حجم الأوراش، بل يقيسه المواطن من نافذة حياته اليومية.
لقد أصبحت الداخلة عنوانًا لمشاريع كبرى تراهن عليها الدولة لتعزيز مكانة الأقاليم الجنوبية كقطب اقتصادي واستراتيجي. ميناء الداخلة الأطلسي، وتحلية مياه البحر، والاستثمارات السياحية والفلاحية، كلها مشاريع تؤكد أن المدينة تسير نحو مستقبل اقتصادي واعد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يشعر المواطن بأن هذا المستقبل بدأ ينعكس على حاضره؟
فبعيدًا عن لغة الأرقام والخطابات الرسمية، يواجه المواطن واقعًا مختلفًا. أزمة السكن تتفاقم، ليس فقط بسبب الارتفاع المتواصل لأسعار العقارات والكراء، بل أيضًا بسبب استمرار تأخر تجهيز عدد من التجزئات السكنية، ما جعل الكثير من المستفيدين ينتظرون سنوات دون أن يتمكنوا من بناء مساكنهم. وفي الوقت نفسه، لا تزال الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب تثير استياء الساكنة، في مشهد يطرح علامات استفهام حول مدى جاهزية البنية التحتية لمواكبة مدينة تتوسع بوتيرة متسارعة.
وفي سوق الشغل، يتساءل كثير من شباب الداخلة عن نصيبهم من المشاريع التي تُقام على أرض الجهة. فمع كل إعلان عن استثمار جديد، تتجدد الآمال في خلق فرص عمل، لكن هذه الآمال تصطدم، بحسب شكاوى متداولة، بصعوبات الولوج إلى بعض فرص التشغيل، وبمطالب متكررة بإعطاء الأولوية للكفاءات المحلية. كما يعبر عدد من المقاولين المحليين عن رغبتهم في أن يكون لهم نصيب أكبر من المشاريع التي تعرفها الجهة، حتى تتحول التنمية إلى رافعة للاقتصاد المحلي، لا مجرد أرقام في تقارير الإنجاز.
ولا يقل قطاع الصحة أهمية عن باقي الملفات. فبالرغم من المشاريع الصحية التي تعرفها الجهة، لا يزال المواطن يطالب بخدمات أكثر جودة، وتخصصات طبية أكثر، وتجهيزات تضمن العلاج داخل المدينة بدل عناء التنقل إلى مدن أخرى. أما بعض الأحياء، فما زالت تعاني من اختلالات في الطرق والإنارة والتطهير، وهو ما يجعل الحديث عن التنمية غير مكتمل ما دامت آثارها لا تصل بالقدر نفسه إلى جميع مناطق المدينة.
وسط هذا الواقع، تدخل الأحزاب السياسية سباق الانتخابات وهي تدرك أن الناخب في الداخلة لم يعد يكتفي بالشعارات، فالمواطن الذي سمع الوعود في محطات انتخابية سابقة، يريد اليوم أجوبة واضحة: ماذا تحقق؟ وما الذي تعثر؟ ومن يتحمل مسؤولية التأخير؟ وما هي الحلول العملية خلال السنوات الخمس المقبلة؟
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل سيخوض المرشحون حملاتهم الانتخابية بالحديث عن مشاريع الدولة، أم سيقدمون حصيلة عملهم هم كمنتخبين؟ فالمشاريع الاستراتيجية هي ثمرة خيارات الدولة ومؤسساتها، أما مهمة المنتخب فهي الترافع، والمراقبة، واقتراح الحلول، ومواكبة تنفيذ البرامج، والدفاع عن مصالح المواطنين داخل المؤسسات المنتخبة. ولذلك، سيكون من حق الناخب أن يسأل كل مرشح: ماذا قدمت للداخلة خلال ولايتك؟ وما الأثر الذي تركته في حياة الناس؟
إن الانتخابات المقبلة ليست مجرد منافسة على المقاعد البرلمانية، بل هي فرصة لمراجعة العلاقة بين المواطن والسياسة. وإذا كانت الداخلة قد ربحت رهان جذب الاستثمارات، فإن الرهان الحقيقي اليوم هو كسب ثقة المواطن، وهي ثقة لا تُبنى بالخطابات، بل بالنتائج.
فالداخلة لا تحتاج إلى وعود أكثر، بقدر ما تحتاج إلى حلول أكثر. ولا تحتاج إلى حملات انتخابية صاخبة، بقدر ما تحتاج إلى منتخبين قادرين على تحويل المشاريع الكبرى إلى فرص شغل، وسكن لائق، وخدمات صحية أفضل، وأحياء تليق بمدينة تُقدَّم باعتبارها واجهة المغرب نحو إفريقيا.
وعندما تُفتح صناديق الاقتراع في شتنبر المقبل، قد لا يصوت المواطن للماضي، ولا للمشاريع التي يراها من بعيد، بل سيصوت للإجابة عن سؤال واحد: هل تحسنت حياتي فعلاً؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن صناديق الاقتراع ستكون هي الحكم، لأنها في النهاية تظل الوسيلة الديمقراطية التي يمنح بها المواطن ثقته… أو يسحبها.


